عبد الملك الجويني

401

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو قال في جوابها وسؤالها كما مضى : أنت طالق واحدةً مجاناً بلا عوض ، واثنتين بثلثي الألف . فهذا يخرّج على أن الرجعية هل تخالع ؟ فإن قلنا : إنها تخالع ، ثبت ثلثا الألف ، وإن قلنا : إنها لا تخالع ، فلا يثبت للزوج شيء من المال ، ثم إذا لم يثبت المال ، فالذي قطع به الأصحاب وقوع الطلاق من غير عوض . وهذا من الأصول ، فليتنبه له الناظر ، وليقف عنده ؛ فإنا نبتدىء فنقول : من طلق امرأته طلقةً رجعية ، وقلنا : الرجعية لا تخالع ، فإذا قال لها : أنت طالق على ألف درهم ، فقالت : قبلت ، فالطلاق يقع رجعياً ؛ فإنه إن كان لا يلحقها الطلاق بعوض يلحقها الطلاق بغير عوض ، فتصير الرجعية في هذا المقام كالمبذرة السفيهة . وقد نص الشافعي وأطبق الأصحاب على أن الزوج إذا قال لامرأته السفيهة المبذرة : أنت طالق على ألف درهم ، فقالت : قبلت ، فالطلاق يقع رجعياً . ولا شك أن الرجعية في المعنى الذي ذكرناه بمثابة المبذرة ، إذا تُصوِّر تطليقُها من غير عوض ، وقد وُجد القبول منها على صيغةٍ واحدة ، وهما من أهل العبارة ، بل عبارة الرجعية إذا لم تكن مبذرة أولى بالصحة . فإن عاود معترضٌ ، وأبدى إشكالاً ينعكس على السفيهة ، كان كلاماً في غير موضعه . ثم الذي عليه التعويل في السفيهة أن الطلاق على صيغة المعاوضة يعتمد صورة القبول ، ولا يعتمد اللزوم ، والدليل عليه أنه إذا قال لامرأته المُطْلَقة ( 1 ) : أنت طالق على زِقِّ خمر ، فقالت : قبلت ، وقع الطلاق ، والمقبول لا يلزم . ولو التزمت مهر المثل في مقابلة قول الزوج ، لم يقع شيء ، فاستبان أن التعويل في وقوع الطلاق على التوافق في القبول ، على شرط صحة العبارة . وسنُجري مسألة السفيهة بعد ذلك [ ونزيدها ] ( 2 ) كشفاً ، والغرض المنتجز الآن تشبيه الرجعية بالمبذرة . وهذا واقعٌ لا رفع له . فخرج من مجموع ما ذكرناه أنها إذا قالت : طلقني ثلاثاً بألف ، فقال : طلقتك واحدة بلا عوض ، وطلقتين بثلثي الألف ، فلا خلاف في وقوع الثلاث ، ولكن إن

--> ( 1 ) " المطلقة " أي غير المحجور عليها ، فهي هنا في مقابلة السفيهة . ( 2 ) في الأصل : وندبرها .